|

آلام فقيامة
التوبة
الشماس
اغناطيوس هزيم
التوبة.
وما التوبة؟ تاب فلان عن العمل الفلاني تعني أن ذلك الإنسان قطع عهداً على
ألا يعود إلى فعلته تلك وبما أن التوبة عادة تكون من أعمال شريرة فإننا
نقدر أن نوضح معناها مع شيء من التعميم فنقول: التوبة تفترض وقوع حدث سيئ
من قبل شخص، هذه هي النقطة الأولى. ذلك الشخص يعي سوء فعلته، هذه هي النقطة
الثانية وأخيراً يعاهد ذلك الشخص الله أنه لن يعود فيما بعد إلى ما فعل.
وأظن أن لا مهرب من التوسع قليلاً في كل من هذه النقاط الثلاث:
السقوط في الخطيئة:
إن وقوع الخطيئة، لأمر اعتيادي تحدث منه الألوف والملايين كل ساعة وذلك
لأسباب عديدة أهمها أن الإنسان بطبيعته قابل للخطيئة. نعم إنه مخلوق على
صورة الله ولكنه ليس الله ذاته ولا شك بأنه أقل كمالا من خالقه إلى حد لا
متناه، الإنسان ظِلٌّ للكمال أو على الأصح فيه ظل الكمال، أما الكمال نفسه
فمستقل عنه جوهراً وحيث لا كمال بالجوهر، هنالك إمكان الخطيئة بالجوهر. غير
أننا إذا ما قمنا بواجباتنا الروحية حق القيام فدعونا الله وسمعنا منه
واقتربنا من القرابين المقدسة لتناول الجسد الكريم والدم النقي إذا ما
فعلنا ذلك نكون قد أسقطنا الحاجز الذي يجعلنا بعيدين عن الله وإذا بنا في
حضرة الخالق وإذا بالإنسان الظل للحق والكمال يصبح هيكلاً للروح، عِلِّيَة
يصح أن يصنع السيد فيها الفصح مع تلاميذه.
ولكن الإنسان سيد الخليقة فإن أخطأ طبع العالم هذا بخطئه وإذا شذ ختمه
بشذوذه. وفي كل زمان ومكان العالم يتحمل أخطاء الإنسان فبدلاً من أن ينبت
له الخيرات للخير يستخدم الإنسان تلك الخيرات للشر فيكون خير الأرض وبالا
عليها وبالا على الإنسان الموكول إليه أمر تكييفها. العالم يئن ويتوجع
والإنسان نسي أن الخطيئة قد تراكمت أكثر مما يجب أن يكون ذلك فانقلب كل شيء
إلى عكس ما كان يجب أن يكون. فالأخ يخاصم أخاه والولد أباه وأمه والجار
جاره ولا يدري الناس لماذا يتخاصمون حتى انتهى بهم الأمر إلى الخصام على
توطيد السلم. يا لها من مهزلة، يا له من تناقض فاضح. الطبيعي في العالم أن
يتطور لا أن يتغير ويتبدل والطبيعي أن العالم يتكيف كما يشاء الإنسان وليس
الإنسان حسب مقتضيات العالم. إذ العالم لا إرادة له بينما الإنسان مريد
فاعل، والوضع غير الطبيعي هو وضعنا اليوم حيث ضاع المقياس الصحيح للحق. لم
نعد ندري ما هو مقياس الصحة بينما المسألة محلولة منذ الخليقة. حلها الله
في الإنسان لكي يحلها هذا في عالمه. نعم يجب أن يعود الكائن البشري إلى
المنبع الإلهي دون أي تردد فيقوي صورة الله فيه ويقلب العالم حيث يعيش إلى
مكان هو أيضاً فيه ظل السعادة. الحقيقة أن العالم يئس من نفسه فلجأ إلى
التهرب من البحث في عالمه. ترك الصميم وها هو يرتطم بالدنيويات فإذا هذه
كالماء كلما قبض عليه تملص من بين الأصابع.
وقوع الخطيئة ممكن سهل لوجودها في الإنسان وعالم الإنسان.
وعي الخير والشر:
إن وعي الإنسان للخير أو الشر ضروري جداً لقيامه مع الأول ضد الثاني.
والوعي تفتيش في نفس الإنسان عن الأدران والأكدار التي تشوهها، فهو عمل جدي
ولذلك فهو يتطلب وقتاً مثل أي عمل ثان؟ فكم من الوقت يا ترى نصرفه في عودة
إلى أنفسنا ندرسها وندقق الدرس ونخرج منها بمعلومات صحيحة عنها؟
هل ننتقد أنفسنا من وقت إلى آخر؟ إذا كنت لم تع نفسك حتى اليوم، كل يوم،
وإذا لم تكن قد وقفت منها موقف الرائي الثاقب فإنك لن تصل يوما إلى أن
تقول: يا ابن داود ارحمني. إذا لم تر نفسك كفي مرآة فإنك لن تشعر بالحاجة
إلى مس هدب السيد أو القول له: «أخطأت إلى السماء وأمامك ولست مستحقاً أن
أدعى لك ابناً»، أو «ارحمني يا رب فإنني رجل خاطئ». وإذا لم تقل ذلك بعد
وعي فأنت خاسر نفسك، وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أن
يجهل الإنسان الأشياء الخارجية الثانوية ذلك أمر يمكن التسليم به، وأما أن
يجهل ماهية نفسه فذلك غير مقبول. ولا يظنن البعض أن المقصود هنا من معرفة
النفس درسها علميا ومعرفة تركيبها، كل ما أقصد بذلك هو أن كل إنسان يعرف
إذا كان صافي القلب سليمه حسن الطوية لا ضغينة ولا حقد ولا حسد فيه، يعرف
إذا كان لم يرتكب عملاً مشيناً، أم هو على عكس ذلك. فالمطلوب إذن فطري وكل
إنسان ذي سليقة سليمة يقدر
أن يعرفه.
العودة:
إذا ما وعى الإنسان خطيئته قطع عهداً أمام الله على نفسه ألا يعود إليها.
هذا هو الحكم، أو القرار الأخير الذي يصدره الإنسان الواعي على نفسه. هذا
هو الباعث إلى القول "ارحمني يا رب أنا الخاطئ". كم مرة يقف الفرد منا
عاجزاً أمام الوفاء بوعده، كم مرة نجد أننا تعهدنا بأشياء لا يمكننا القيام
بها، والأهم من ذلك كله: كم مرة قطعنا عهداً على أنفسنا ولم نرد أن نتممه؟
إذا ارتكبنا الإثم مرة ثم عدنا إليه فذلك ينتج عن واحد من أثنين إما أن
يكون الإثم قد أصبح فينا متأصلاً والحالة إذن غير طبيعية وإما أن نكون
مدركين إنه الإثم وأننا نقصد به نفسه وعندئذ نكون أثيمين بالفعل، وكلا
الحالين يحتاج إلى إصلاح. إن العهد لا يكون باللسان لأن اللسان لا قيمة له
إذا استقل عن المتكلم. يؤخذ الإنسان بكلامه لأن هذا الكلام يفترض وعيا من
القائل ومسؤولية فكيف إذن بالوعد الذي يأخذه شخص في الهدأة العميقة، في
التؤدة والسكون أمام الله ملك الملوك ورب الأرباب، كيف بالوعد الذي يقدمه
الإنسان لربه وخالقه كأنه يعتذر عن جريمة اقترفها. والحقيقة أن كل خطيئة لا
تتوجه إلى الخاطئ فحسب وإنما إلى الله نفسه لأن الشيء الذي يتشوه في الفاعل
هو صورة الله فيه وليس اللحم والعظم اللذين يكونان مظهره الخارجي.
الزمان زمان توسل واعتراف. إن الرجوع إلى النفس ضروري في هذه الأيام ولا شك
أنكم واجدون فيها ما لا تريدون فاعرفوا عناصر الأرواح الشريرة وتقدموا بخوف
إلى الله طالبين الغفران والمسامحة. لا تخافوا إن الله غفور ولكن اعرفوا
أنكم بحاجة إلى الغفران لمعرفتكم زلاتكم. لأن التوبة هي وعي السيئات التي
فعلها الإنسان والتعهد أمام الله بعدم العودة إلى عملها. فزد حياتك خيراً
على خير. السيد قادم فهيئ له مكاناً ليستريح، هيئ له غصن زيتون تلقيه
أمامه، وقلباً إذا ما نطق يستحق أن يقول: «مبارك الآتي باسم الرب». هيئ له
علية يقيم فيها الفصح مع تلاميذه.
|